كتب أحمدو ولد أمبارك ردا على مقال النائب كادياتا مالك جالو الصادر بتاريخ 21. 02.

كتب أحمدو ولد أمبارك
ردا على مقال النائب كادياتا مالك جالو الصادر بتاريخ 21. 02. 26
______
كنت سأكتفي بما طرحناه في مناظرتنا على قناة صحراء 24، غير أن ما ورد في مقالك الأخير يدفعني، احتراما لك وتقديرا للرأي العام، إلى توضيح بعض النقاط الجوهرية.
قولي عني شوفينيا أو صاحب رأي عنصري، لا بأس، لكني أتوسل إليك أن تتوقفي عن هذا المنحى الجديد، القائم على إلصاق تهمة العنصرية بهذا الوطن زورا، في لحظة وطنية دقيقة يفترض أن يدار فيها الخلاف بمنطق جامع لا بمنطق فرزي.
السيد النائب المحترمة؛ جوهر خلافي معك لا يتعلق بإنكار مظالم 1990 و1991، بل يتعلق بمنهج اختزال الظلم في مظلومية واحدة وبناء سردية وطنية على أساسها وحدها.
ذكرت في مقالك أن ربط أحداث 1990 و1991 بمحطات 1966 و1986 و1987 و1989 هو محاولة لإعادة كتابة التاريخ.
غير أن الربط بين هذه المحطات ليس تبريرا للجرائم ولا إنكارا للمآسي، بل محاولة مشروعة لفهم السياق السياسي والفكري الذي تشكلت داخله خطابات الكراهية ودخل من خلاله منطق الفرز الهوياتي إلى المجال العام.
ألَم تكوني، خلال المناظرة، من قاطعني مرارا عندما شرعت في قراءة فقرات من بيان 1966 وبلغ بك الأمر إلى القول إنني من كتب البيان وزوره؟
ومن هنا بالضبط يطرح السؤال الحقيقي، من يخشى قراءة الوثائق؟ ومن يمنع عرضها على الجمهور؟ وكيف يمكن محاكمة تاريخ وطن مليء بالهزات على أساس لحظة واحدة فقط، مع إقصاء جذوره الفكرية والسياسية؟

ولكي يكون النقاش دقيقا ومنضبطا، يكفي أن نعود إلى مطالب بيان 1966 نفسها.
جاء في الفقرة الثامنة حرفيا:
8. نطالب بالاستبدال الفوري لجميع قادة الدوائر ونوابهم، ورؤساء التقسيمات الإدارية، ورؤساء المراكز الإدارية، ومفوضي الشرطة، وقادة الدرك، والقضاة، والعمد المفوضين، وكلهم من البيظان الموجودين في الجنوب، بإداريين وموظفين سود، هم وحدهم الحريصون على تنمية هذه الجهة من البلاد، والمحترمون للسكان ولكل قيمهم.
وجاء في الفقرة التاسعة حرفيا:
9. نطالب بالتعيين الفوري لجميع الأطر السود غير المستغلين في مناصب تتوافق مع شهاداتهم ومراجعهم المهنية.
السؤال البسيط الذي يفرض نفسه هنا، ما الفرق الجوهري، في منطق العدالة، بين هذه الدعوة الصريحة إلى حصر التعيين والسلطة في فئة عرقية محددة وبين أي خطاب معاصر يختزل الإنصاف والاعتراف والذاكرة الوطنية في مظلومية عرق واحد فقط؟
قد يكون الفرق في اللغة لكن ذلك لا يلغي وحدة المنطق.... فالمنطق واحد، منطق الفرز ومنطق التمييز ومنطق تحويل الدولة من فضاء مواطنة إلى فضاء أعراق بل فضاء عرقية واحدة.
ومن هنا يصبح البحث في سياقات ما قبل 1990 و1991 ليس تشويشا على الحقيقة، بل شرطا لفهمها. 
أما التشويش الحقيقي فهو اختزال التاريخ كله في محطة واحدة.
ولتوضيح المفارقة أكثر، تخيلي أن الناطقين بالبولارية كانوا يمثلون أكثر من 80% من السكان عند الاستقلال، وأن لغتهم كانت الجامعة بين شعوب المنطقة، ثم تخيلي أن أقلية ناطقة بالحسانية رفعت راية المستعمر واختزلت الخطاب الوطني في مطالب ثقافة المستعمر ومطاب أثنية وحاولت إسقاط الدولة الفتية.
هل كان تقييمك للعدالة والذاكرة سيبقى نفسه؟
وتخيلي أيضا أن حملات تهجير واسعة قادها ناطقون بالحسانية في الجزائر أو في المغرب ضد البولاريين المقيمين هناك، أدت إلى قتل المئات وتهجير أعداد كبيرة، وأن مئات الآلاف ممن كانوا يقومون على جزء معتبر من الاقتصاد عادوا إلى الوطن مجردين من ممتلكاتهم.
هل كان من المقبول، حينها، اختزال المأساة الوطنية في فئة واحدة فقط؟
ثم لنفترض أن هذه القراءة المجتزأة للتاريخ أدرجت في المناهج التعليمية بوصفها الظلم الوحيد في تاريخ الدولة، كيف ستكون نظرة الأطفال بعضهم إلى بعض في بلد لم ينجح بعد في إدارة تنوعه؟
ألَيست جريمة أن نربي أجيال المستقبل على أن عرقا واحدا ظلم، بينما الظلم طال الجميع، بمن فيهم جماعتك السياسية، لا العرقية؟
لماذا يتهم من يطالب بجبر الضرر للجميع، وعلى رأسهم ضحايا 1990 و1991، بالعنصرية، فقط لأنه يرفض حصر العدالة في فئة واحدة؟
ثم عن العفو، هل تريدين أن يفرغ من محتواه الأخلاقي ليصبح أداة انتقائية؟ هل من استفادوا من عفو 2005 ثم عوقبوا لاحقا لا يحق لهم المطالبة بالإنصاف؟ وماذا عن العسكريين الذين فصلوا بالعشرات سنة 1988 دون محاكمة أو مجلس تأديب؟ هل يصبح طلبهم للعدالة تهديدا لاستراتيجية تختزل الظلم في عنصر واحد؟
وهل سيقود هذا المسار، في النهاية، إلى قاعدة غير مكتوبة مفادها أن الظلم الذي يستحق النظر هو فقط ظلم عرق واحد في هذا البلد؟
وأخيرا، لماذا يصبح استحضار 1966 و1986 تهمة، بينما يصبح استحضار 1990 و1991 وحده الطريق المشروع إلى الحقيقة؟

نحن لا ننكر أي دم سفك، ولا أي تعذيب وقع، ولا أي مظلمة حدثت، لكننا نرفض أن يتحول التاريخ إلى ملف انتقائي، وأن تصبح قراءة الوثائق جريمة، وأن يتحول طرح الأسئلة إلى دليل اتهام.

تقبل الله صيامكم وقيامكم
مقال النائب المحترمة في أول تعليق